مكتبة الشيخ فرغلي سيد عرباوي للقراءات والتجويد - والنشر والتوزيع- 9درب الأتراك خلف الجامع الأزهر
السلام عليكم
الأصل في قواعد التجويد والقراءات التواتر ولا مجال فيهما للرأي والقياس والاجتهاد
بقلم/ أخوكم فرغلي عرباوي


مكتبة متخصصة في نشر كتب القراءات والتجويد والمخطوطات المتعلقة بهما.
 
الرئيسيةبحـثس .و .جالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
سحابة الكلمات الدلالية
المواضيع الأخيرة
» صدر حديثا لطائف الإشارات لفنون القراءات للقسطلاني
الأحد يوليو 16, 2017 3:16 am من طرف أ فرغلي عرباوي

» صدر حديثا ما يعتقده السلف في الحروف الأصوات للإمام النووي
الأحد يوليو 16, 2017 3:11 am من طرف أ فرغلي عرباوي

» صدر حديثا مجموع كتب ابن الطحان الأندلسي في التجويد والقراءات والوقف والابتداء
الأحد يوليو 16, 2017 3:08 am من طرف أ فرغلي عرباوي

» صدر حديثا وصف الاهتداء في الوقف والابتداء للإمام عمر بن إبراهيم الجعبري
الأحد يوليو 16, 2017 3:06 am من طرف أ فرغلي عرباوي

» صدر حديثا شرح علي القاري الهروي على العقيلة الرائية في علم الرسم
الأحد يوليو 16, 2017 2:56 am من طرف أ فرغلي عرباوي

» صدر حديثا شرح علي القاري الهروي على القصيدة الشاطبية
الأحد يوليو 16, 2017 2:51 am من طرف أ فرغلي عرباوي

» جامع الوقوف في القرآن العظيم للقسطلاني
الأحد يوليو 16, 2017 2:45 am من طرف أ فرغلي عرباوي

» مخطوطات محمد بن محمد بن الجزري (ت833هـ) للبيع
السبت يونيو 17, 2017 5:17 am من طرف أ فرغلي عرباوي

» مخطوطات مكي بن أبي طالب القيسي (ت434هـ) للبيع
السبت يونيو 17, 2017 5:16 am من طرف أ فرغلي عرباوي

سبتمبر 2017
الإثنينالثلاثاءالأربعاءالخميسالجمعةالسبتالأحد
    123
45678910
11121314151617
18192021222324
252627282930 
اليوميةاليومية
التبادل الاعلاني

انشاء منتدى مجاني




شاطر | 
 

 ترجمة الإمام أبي شامة الدمشقي (ت665هـ) بقلم فرغلي عرباوي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
أ فرغلي عرباوي
Admin
avatar

المساهمات : 88
تاريخ التسجيل : 18/07/2011
العمر : 45

مُساهمةموضوع: ترجمة الإمام أبي شامة الدمشقي (ت665هـ) بقلم فرغلي عرباوي   الخميس يوليو 21, 2011 3:38 pm

ترجمة الإمام أبي شامة الدمشقي
اسمه: عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم بن عثمان بن أبي بكر بن إبراهيم بن محمَّد المقدسي الدمشقي الشافعي المقرئ النحوي الأصولي المحدِّث الفقيه المؤرخ المعروف بأبي شامة( ).
قال أبو شامة عن اسمه في كتابه (ذيل الروضتين) حين تحدَّث عن أحداث سنة (599هـ): " وفيها: ولد مصنِّف هذا الكتاب الفقير إلى الله تعالى عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم بن عثمان بن أبي بكر بن إبراهيم بن محمد المقدسي الشافعي "( ). وزاد ابن كثير (ت774هـ) بعد جده ابن أبي بكر: ابن عباس، ولم يذكر أبو شامة هذا الرجل في نسبه، قال ابن كثير المفسِّر عن اسمه: " الشيخ شهاب الدين أبو شامة عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم بن عثمان بن أبي بكر بن عبَّاس أبو محمَّد وأبو القاسم المقدسي الشيخ الإمام العالم الحافظ المحدِّث الفقيه المؤرخ المعروف بأبي شامة شيخ دار الحديث الأشرفية، ومدرس الركنية، وصاحب المصنفات العديدة المفيدة ... "( ).
كنيته: (أبو محمَّد)( )، و(أبو القاسم)( )، أما (أبو شامة) فهذه ليست بكنية له بل هي من أوصافه؛ لأنه كان فوق حاجبه الأيسر شامة كبيرة( ). وقيل: هي من ألقابه( ). وقيل: وهي من كُنَاه( )، ولكن حديث أبي شامة عنها ينفي كونها كُنية حيث قال: " عُرف بأبي شامة؛ لأنه كان به شامة كبيرة فوق حاجبه الأيسر، يكنى أبا القاسم محمَّد "( )، فنجده صرَّح بكنيته وكلامه فيصل فيما قيل.
لقبه: اشتهر – رحمه الله – بلقب (شهاب الدين) ( )، وكذلك اشتهر بلقب (أبي شامة) ( ).
مولده: ولد بدمشق ليلة الجمعة في 23 ربيع الأوَّل، وهذا ما ذَكَرَتْهُ بعض التراجم( )، ولكنَّه صرَّح عن يوم وشهر ولادته فقال: " ليلة الجمعة الثالث والعشرين من ربيع الآخر – عفا الله عنه – "( )، وكان ذلك في سنة تسع وتسعين وخمسمائة( )، وقيل: سنة ست وتسعين وخمسمائة( )، " وكانت ولادته من هذه السنة برأس درب الفواخير بدمشق داخل الباب الشرقي "( )، وبها نشأ وترعرع وتعلَّم.
وقيل: أصله من القدس( )، ولم تخبرنا التراجم عن أصل هذه النسبة، ولماذا نُسب إلى القدس؟ ومن خلال البحث وجدته أجاب بنفسه عن ذلك فقال: " وأصل جده أبي بكر من بيت المقدس، كان أبو أحد الأعيان بها، ولعل محمَّداً الذي انتهى إليه النسب هو أبو بكر محمَّد بن أحمد بن أبي القاسم علي الطوسي المقرئ الصوفي إمام صخرة بيت المقدس ذكره الحافظ أبو القاسم في تاريخ دمشق.
قال ابن الأكفاني (ت749هـ): قتلته الفرنج – خذلهم الله – عند دخولهم بيت المقدس في شعبان سنة اثنين وتسعين وأربعمائة، وهو أحد الشهداء الذين رؤوسهم بالمغارة المقصودة بالزيارة في مقبرة ماملة بالقدس الشريف ... "( ).
منشأه وسيرة حياته
ذكرت التراجم أنه " حبَّب الله تعالى إليه من صغره حفظ الكتاب العزيز، وطلب العلم، فجعل ذلك همته، فلم يشعر والده به إلا وهو يقول له: " قد ختمت القرآن حفظاً "، ولم يبلغ العاشرة من عمره، مع إتقانه لحفظه وتلاوته وأدائه على يد أحمد بن كَشَاسب (ت643هـ)، " وكان في صغره يقرأ القرآن في جامع دمشق ينظر إلى مشايخ العلم كالشيخ فخر الدين أبي منصور ابن عساكر، ويروي طريقه في فتاوى المسلمين، وحاجة الناس إليه، وسماع الحديث النبوي عليه، وهو يمرُّ من مقصورة الصحابة – رضي الله عنهم – إلى تحت قبة النسر لسماع الحديث إلى المدرسة التقوية لإلقاء دروس الفقه، ويرى إقبال الناس عليه، وترددهم إليه، مع حسن سمته، واقتصاده في لباسه، فيستحسن طريقته، ويتمنَّى رتبته في العلم ونشره له وانتفاع الناس بفتاويه، فبلَّغه الله من ذلك فوق ما تمنَّاه "( ).
وعندما بلغ عمره ستة عشر عاماً كان قد أتقن جميع علوم القراءات المشهورة على يد أستاذه علم الدين السخاوي المصري (ت643هـ) تلميذ الشاطبي، وكان لهذين الشيخين( ) أثر كبير في بناء شخصيته العلميَّة وبخاصة في علوم القراءات والتجويد والرسم والضبط وغيرها من علوم القرآن، ومصنَّفاته خير دليل على ذلك، ثم انتقل - رحمه الله - إلى مدينة الإسكندرية بمصر المحروسة ودرس فيها علم الحديث على يد الشيخ أبي القاسم عيسى بن عبد العزيز (ت629هـ) وغيره، ثم أصبحت له عناية كبيرة بعلم الحديث وعلومه، وسمع (الصحيح) من داود بن ملاعب (ت616هـ)، وأحمد بن عبد الله العطار، وسمع (مسند الشّافعي)، و(الدعاء) للمحاملي من الإمام الموفق ابن قدامة (ت620هـ).
وفي هذه المرحلة أتقن علم الفقه وأصوله وبرع في علوم العربية من نحو وصرف وبلاغة وغيرها، وبرع في نظم الشعر وإتقان بحوره وقوافيه، وله أشعار ومنظومات أشهرها نظمه المفصل للزمخشري (ت538هـ)، ونظم شيوخ الحافظ البيهقي (ت458هـ)، وله أرجوزة حسنة في العَروض وغير ذلك، واشتهر ببراعته في شرح المنظومات العلمية فمن أشهر أعماله في ذلك ما قام به من شرحه على متن الشاطبية اللامية شرحاً نفيساً فريداً، والشاطبية الرائية العقيلة، وشرح القصائد النبوية للسخاوي في مجلد، ثم قام بالتدريس والإفتاء، وولي مشيخة الإقراء بالتربة الأشرفية، ومشيخة دار الحديث الأشرفية، وكان مع كثرة فضائله متواضعاً مطرحاً للتكليف، ربما ركب الحمار بين الدوائر، ولَمَّا تولَّى دار الحديث الأشرفية مكان القاضي عماد الدين عبد الكريم بن القاضي جمال الدين ابن الحرستاني (ت662هـ) بعد موته في تاسع عشرين جمادى الأولى سنة اثنتين وستين وستمائة، حضر درسه قاضي القضاة شمس الدين ابن خلِّكان (ت681هـ) والأعيان على العادة، وهذا مما يدلُّ على ما بلغه الرجل من المنزلة لدى علماء عصره، وكان – رحمه الله – حريصاً على نقل هذه العلوم إلى الأجيال التالية، وعلى رأسهم أولاده وغيرهم.
" وحج مع والده سنة (621هـ)، ثم حج في التي بعدها أيضاً، ثم سافر إلى المقدس زائراً سنة أربع وعشرين، وسافر إلى الديار المصرية سنة ثمان وعشرين، واجتمع بشيوخ هذه البلاد في ذلك الوقت بمصر والقاهرة ودمياط والإسكندرية، ثم لزم الإقامة بدمشق عاكفاً على ما هو بصدده من الاشتغال بالعلم وجمعه في مؤلفاته، والقيام بفتاوى الأحكام وغيرها "( ).
وكان قد وقف معظم كتبه وشرط شروطاً ضيَّق فيه، فأوجب ذلك إلغاء شروطه بالكلية وعدم التقيد بشيء منه.
قال - رحمه الله -: جرت لي محنة بداري بطواحين الأشنان، فألهمي الله الصبر ولطف، وقيل لي: اجتمع بولاة الأمر فقلت: أنا قد فوضت أمري إلى الله وهو يكفينا، وقلت في ذلك:
قلت لمن قال أما تشتكي
ما قد جرى فهو عظيم جليل

يقيض الله تعالى لنا
من يأخذ الحق ويشفي الغليل

إذا توكلنا عليه كفى
وحسبنا الله ونعم الوكيل

وقد وجدت بين التراجم من ينتقده نقداً لاذعاً بسبب انتقاصه من بعض العلماء والطعن عليهم والتنقص بهم، وعن ذلك قال موسى بن محمد البعلبكي (ت726هـ) صاحب (ذيل مرآة الزمان): " وكان عالماً فاضلاً متقناً متفنِّناً عنده مشاركة في كثير من العلوم واستقلال ببعضها؛ لكنه كان كثير الغض( ) من العلماء والأكابر والصلحاء، والطعن عليهم، والتنقص بهم، وذكر مساوئ الناس، وثَلْب( ) أعراضهم، ولم يكن بمثابة من لا يقال فيه، فقدح الناس فيه، وتكلَّموا في حقِّه، وكان عند نفسه عظيماً، فسقط بذلك من أعين الناس، مع ما كان عليه من ثَلْب العلماء والأعيان، وذِكر ما يشينهم به ... وبالجملة فكان غير موفَّق في معظم حركاته - رحمه الله تعالى وإيانا - وسامحه بما نال من أعراض المسلمين، وتجاوز عنا وعنه "( ). قلت انفرد البعلبكي (ت726هـ) بهذا النقد اللاذع لأبي شامة، ونحن نُحسن الظنَّ به وبأمثاله من العلماء، ولعلَّ ما قام به في حق ثلب العلماء وغيرهم هو من قبيل الجرح والتعديل في علم الحديث، فلو كان الأمر من هذا القبيل فسُنَّة النبي صلى الله عليه وسلم أَولى بالذود والدفاع عنها وعن كتبها وببيان حال الرجال من حيث الصحة والضعف، وغير ذلك والأَولى بالعالم أن تأخذه الحمية على الكتاب والسُّنة لا المشايخ والعلماء، فالعلماء نوعان: بعضهم من كتم العلم وطعن في الدين وقام بتأويل نصوص الكتاب والسُّنة بما يتوافق مع الحكام، فهؤلاء يجب الانتقاص منهم والطعن فيهم بل لعنهم بدليل قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ)(البقرة:159) فجيب علينا أن نلعن هذا النوع من العلماء كما لعنهم رب العالمين. والنوع الثاني من العلماء هم الربانيون فهؤلاء يجب اتباعهم والذود والدفاع عنهم، والاقتداء بهم، والله أعلم.
أسرته وصفاته
أفصحت لنا بعض التراجم عن اهتمامه بتربية أولاده التربية الإسلامية، ولم أقف إلا على اسم واحد منهم وهو أحمد ويكنى بأبي الهدى( ).
قال عن أهله وأجداده وإخوانه: " فانتقل والده أبو بكر إلى دمشق فأقام بها، فولد له ولدان: عثمان بن أبي بكر، وعبد الرحمن بن أبي بكر الذي كان مُعلِّماً بباب الجامع الشامي ... وكثَّر الله نسلهم بدمشق، ومسكنهم بنواحي الباب الشرقي، فأولد عثمان بن إبراهيم بن عثمان جد مصنِّف الكتاب، توفي في شعبان (575هـ) ودفن بمقبرة باب الفراديس، فأولد إبراهيم بن عثمان ولدين: أبا القاسم بن إبراهيم توفي في يوم الجمعة تاسع شهر رمضان سنة (604هـ) ودفن بمقبرة بين الباب الشرقي وباب توما، وإسماعيل بن إبراهيم توفي ثالث عشر ربيع الأوَّل سنة (638هـ)، فأولد إسماعيل ولدين: إبراهيم بن إسماعيل ومولده ليلة الاثنين الخامس والعشرين من محرم سنة (591هـ)، ومصنف الكتاب عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم "( ). وقد نظم أبو شامة قصيدة تناهز الأربعين بيتاً في زوجته فَسَمُجَ - عفا الله عنه فيها - أوَّلها:
تزوجت من أولاد دنو عقيلة
بها من خصال الخير ما حير العقلا

مكملة الأوصاف خلقاً وخلقة
فأهلاً بها أهلاً وسهلاً بها سهلا

ولود ودود حرة قرشية
مخدرة من حسنها تكرم البعلا

ومنها:
مطرزة خطالة ذهبية
مفصلة خياطة تحكم الغزلا

تنقل في الأشغال من ذا وذا وذا
وتفعل حتى الكنس والطبخ والغسلا

أما صفاته: فقد نُعت بأكثر من وصفٍ على ألسنة كبار العلماء في عصره فهذا الحافظ ابن كثير (ت774هـ) يقول عنه: " وكان ذا فنونٍ كثيرة، أخبرني الحافظ علم الدين البرزالي (ت738هـ) عن الشيخ تاج الدين الفزاري (ت705هـ) أنه كان يقول: بلغ الشيخ شهاب الدين أبو شامة رتبة الاجتهاد. وقال الذهبي (ت748هـ): " وكتب الكثير من العلوم وأتقن الفقه ودرس وأفتى وبرع في فن العربية، وذكر أنه حصل له الشيب وهو ابن خمس وعشرين سنة وولي مشيخة القراءة بالتربة الأشرفية ومشيخة الحديث بالدار الأشرفية وكان مع كثرة فضائله متواضعاً مطرحاً للتكلف ... "( ). وقال عنه أيضاً: " وقد كان ينظم أشعاراً في أوقات، فمنها ما هو مُسْتَحْلَى، ومنها ما لا يُسْتَحْلى، فالله يغفر لنا وله. وبالجملة فلم يكن في وقته مثله في نفسه وديانته، وعفته وأمانته ... "( ).
" وظهر الشيب في لحيته ورأسه وله خمس وعشرون سنة عجل الله تعالى له الشيخوخة صورة ومعنى فنظم في ذلك بعض الفضلاء:
إن يشب إذا بلغ خمساً وعشرين
فما كان المشيب فيه بعاب

جهل الناس قدر شيخوخة العلـ
ـم فجلت أنواره في الشباب

نور الله الوجه والقلب ومنه
إن فيه هداية المرتاب

هو شيخ معنى فعاجله الشيـ
ـب وقاراً له على الأتراب

فجرى الفضل يافعاً ومسنا
إن زلفى له وحسن مآب

ورويت له منامات حسنة كانت مبشرات له بما وصل إليه من العلم وما يرجوه من الخير منها: أن والدته – رحمها اله – أخبرته وهو إذ ذاك صغير يتردد إلى المكتب وأبوه – رحمه الله – يعجب من حبه المكتب، وحرصه على القراءة على خلاف المعروف من عادة الصبيان، فقالت الوالدة: لا تعجب فإني لما كنت حاملاً به رأيت في المنام كأني في أعلى مكان من المئذنة عند هلالها وأنا أؤذن، فقصصتها على عابر فقال: تلدين ذكراً ينتشر ذكره في الأرض بالعلم والخير.
ورأى هو في صفر سنة أربع وعشر وستمائة كأنَّ عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – قد أقبل إلى الشام منجداً لأهله على الفرنج – خذلهم الله – وكان له به خصوصية من إفضاء أمره إليه والتحدث معه في أمور المسلمين، وهو يمشي إلى جانبه ملاصقاً منكبه، حتى كان الناس يسألونه عنه وعما يريد أن يفعل، وهو يخبرهم، وكأنه واسطة بينه وبين الناس.
وفي هذه السنة رأى أيضاً كأنه والفقيه عبد العزيز عبد السلام – سلَّمه الله – داخل باب الرحمة بالبيت المقدس، وقد أراد فتحه، وثَمَّ من يمنع فتحه، ويدفعونه لينغلق، فما زالا يعالجان الأمر حتى فتحا مصراعيه فتحاً تامًّا بحيث أسند كل مصراع إلى الحائط الذي خلفه.
ورأى أيضاً في جمادى الآخر من هذه السنة كأنَّ المسلمين في صلاة الجمعة في حرٍّ شديد، وهو خائف عليهم من العطش، ولا ماء ثَمَّ يعرف، فنظر إلى قليب ماء قريباً منه وحوض، فخطر له أن يسقي من ذلك القليب، ويسكب في الحوض حتى يشرب منه الناس إذا انصرفوا من الصلاة، فاستقى شخص قبله لا يعرفه دلواً أو دلوين، ثم أخذ الدلو منه فاستقى دلاء كثيرة لم يعرف عددها وسكب في الحوض.
ورآه المهتار هلال بن مازن الحرابي متقلداً هيكلاً وهو يقول: انظروا فلاناً كيف تقلد كلام الله.
وجاءه رجل يستفتيه وهو بالمجلس الكبير الذي للكتب في صدر الإيوان بالمدرسة العادلية، وهو الموضع الذي يجلس فيه غالباً للفتوى وغيرها ومنه يخرج إلى الصلاة بالمدرسة فتعجب فقيل له: مِمَّ تتعجب؟ قال: هذا مكان ما رأيته قط.
ورأى الصلاح الصوفي أوَّل ليلة من جمادى الآخرة سنة خمس وخمسين وستمائة كأن مصنف الكتاب متوجه إلى الحج ومعه من الزاد جميع ما يحتاج إليه تزوداً تامًّا منه الرائي ... ومن ذلك منامات حسنة رآها له أخوه الشيخ برهان الدين أبو إسحاق إبراهيم بن إسماعيل، وهو أسنُّ منه بنحو تسع سنين، وكان من الصالحين رأى والدهما – رحمه الله – يقول له: عليك بالعلم انظر إلى منزلة أخيك، فنظر فإذا هو في رأس جبل، والوالد والرائي يمشيان في أسفله.
ورأى في صفر سنة سبع وخمسين وستمائة كأن مصنف الكتاب متمسك بحبل دلَّى من السماء وهو مرتفع فيه، فسأل إنساناً عن ذلك المنام، فانكشف لهما البيت المقدس والمسجد الأقصى، فقال له ذلك الإنسان: من نبي هذا المسجد؟ فقال: سليمان بن داود. فقال: أعطي أخوك مثل ما أعطي سليمان فقال له: كيف ذلك؟ فقال: أليس سليمان أوتي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده، أليس أعطي كذا وكذا وعدد أنواع ما أوتي فقال: بلى. قال: وكذا أخوك أوتي أنواعاً من العلم كثيرة أو كما قال.
قال: ورآه الشرف الصرخدي فوق سطح بيت منعزل وهو يؤذن ثم بعد الآذان قرأ: (وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ)(ق:41).
ورأى أيضاً كأنَّ القيامة قد قامت ومصنف الكتاب راكب على حمار وهو مسرع فقيل له في ذلك فقال: اطلب النبي صلى الله عليه وسلم على الحوض.
ورأى الشرف ابن الرئيس أيضاً القيامة ووصف من أهوالها قال: ورأيت فلاناً – يعني صاحب هذا الكتاب – فسأله عن حاله فقلت له: ماذا ما لقيت؟ قال: لقيت خيراً ". ثم قال أبو شامة بعد سرده لهذه المنامات والرؤيا الصالحة: " وإنما سطرت هذه المنامات وغيرها تحدُّثاً بنعم الله تعالى كما أمر سبحانه في قوله تعالى: (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ)(الضحى:11)، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: " لم يبق من المبشرات إلا الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو ترى له "( )، -( ).
ومن أوصافه أيضاً " لا يكاد يكتب في فتوى أو شهادة أو طبقة سماع أو نسخ كتاب؛ إلا أردف اسمه بكتابه – عفا الله عنه -. وكان حريصاً على الاجتهاد في الأحكام المختلف فيها، فيفتي بما يراه أقرب إلى الحق، وإن كان خلاف مذهبه تبعاً للأدلة "( ). وقال عن نفسه في ذيل الروضتين: " وكان المصنِّف - عفا الله عنه - محبًّا للعزلة والانفراد، غير مؤثر لتردد إلى أبواب أهل الدنيا، متجنِّباً المزاحمة على المناصب، لا يؤثر على العافية والكفاية شيئاً ... "( ). وبذلك نعلم أن أبا شامة تبوَّأَ مكاناً عليًّا في كثير من العلوم الشرعية، وبلغ منزلة عظيمة في التقوى والورع والصلاح.
بعض النزاعات بينه وبين علماء عصره
ذكر الحافظ ابن الجزري (ت833هـ) في غاية النهاية مع وقع بين أبي شامة ومعاصره محمد بن علي بن موسى أبو الفتح الأنصاري الدمشقي (ت734هـ) من أكبر أصحاب السخاوي (ت643هـ) وعن هذا النزاع يقول الحافظ: " ولما تُوفي السخاوي ولي المشيخة الكبرى بتربة أم الصالح الفخر ابن المالكي ولم تطل مُدَّته فمات فوليها أبو الفتح هذا، أخبرني شيخنا قاضي القضاة أحمد بن الحسين الكفري (ت719هـ) قال: حدَّثني والدي، قال: لَمَّا دخلت التربة وقع النزاع بين العلامة أبي شامة وبين الشيخ أبي الفتح المذكور؛ إذ من شروطها أن يكون أعلم أهل البلد بالقراءات وحضرا عند ولي الأمر، فقيل: مَن ينصف بينهما؟ قال: فوقع التعيين على شيخنا الإمام علم الدين القاسم اللورقي (ت661هـ) فحضر وقال: أنا أسألكما شيئاً فليكتب كل منكما عليه، فسألهما عن قول الشاطبي (ت590هـ) - رحمه الله - في باب وقف حمزة وهشام:
وَفِي غَيْرِ هذَا بَيْنَ بَيْنَ وَمِثْلُهُ
يَقُولُ هِشَامٌ مَا تَطَرَّفَ مُسْهِلاَ

قال: فكتب عليه الشيخ أبو شامة ما يتعلق بالهمز في أصله وتقسيمه ومذاهب النحاة فيه وتعليل ذلك، ثم ما يتعلق بالبيت المذكور من اللُّغة والإعراب والمعاني والبيان والبديع والعَروض والقوافي وغير ذلك.
قال: وكتب عليه أبو الفتح ما يتعلق بالوقف على الهمز فقط، قال: فَلَمَّا وقف الشيخ علم الدين القاسم اللورقي (ت661هـ) على كلاميهما قال عن أبي شامة: (هذا إمام من أئمة المسلمين)، وقال عن أبي الفتح: (هذا مقرئ)، قال: وكان لوليِّ الأمر ميل إلى أبي الفتح، فقال: ما المقصود إلا المقرئ؟! ثم رسم بها لأبي الفتح.
قال: فلَمَّا خرجوا خرج أبو شامة وهو ينفخ، وقال للشيخ علم الدين: يا شيخ ذبحتني، فقال: والله ما قصدت لك إلا خيراً، وما علمت أنهم إلى هذا الحدِّ من الجهل في فهم كلامي "( ). قلت: وهذا السياق للقصة يدلُّ على أن الإمام أبا شامة كان قوَّة علميَّة لا قِبل للعلماء بها في مناظرته ومجاراته.
شيوخه
لقد درس أبو شامة على عددٍ كبيرٍ من الشيوخ في كلٍّ من دمشق ومصر، كما التقى بعدد كبير غيرهم جالسهم وناقشهم وسمع منهم، وسمعوا منه - ويبدو أن أبا شامة كان يتخيَّر شيوخه ويصطفيهم، ولم يكن ليتتلمذ على أيِّ واحدٍ، فقد كانت له مقاييس ثابتة يفيء إليها في اختياره لمن يقرأ عليهم، يظهر ذلك في اختياره للإمام علم الدين السخاوي (ت643هـ) خاصة، فقد اختار تلميذ الشاطبي (ت590هـ) وما ذلك إلا لاشتهار تلامذة الشاطبي بالبراعة والتفوق العلمي في جميع علوم الشريعة، ولا شكَّ أن هذه الشروط والصفات التي يتطلبها أبو شامة في شيوخه كان حريصاً عليها، باحثاً عنها؛ إذ هي المطلوبة أوَّلاً وقبل كل شيء، وسنلاحظ أثناء ترجمتنا لشيوخه مقدار توافر هذه الصفات فيهم، ولا نستطيع في مثل هذا البحث أن نحصيهم عدداً، بل سنكتفي بترجمة كل ما وقفنا عليه من شيوخه، وتفصيل ذلك على النحو التالي:
1. الإمام: داود بن أحمد بن محمد بن منصور بن ثابت بن الحارث بن ملاعب أبو البركات البغدادي الوكيل مسند جليل (ت616هـ) ( ).
2. الإمام: عبد الرحمن بن محمَّد بن الحسن بن هبة الله ابن عبد الله بن الحسن بن هبة الله بن عبد الله الدمشقي، الشافعي، المعروف بابن عساكر فخر الدين أبو منصور (ت620هـ) ( ).
3. الإمام: عبد الله بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي، أبو محمد، موفق الدين: فقيه، من أكابر الحنابلة (ت620هـ) ( ).
4. الإمام: خزعل بن عسكر بن خليل( )، العلامة تقي الدين أبو المجد الشنائي المصريّ المقرئ النحويّ اللغوي نزيل دمشق (ت623هـ) ( ).
5. الإمام: عيسى بن عبد العزيز بن عيسى بن عبد الواحد اللخمي الشريشي الأصل، ثم الأسكندراني، موفق الدين، أبو القاسم (ت629هـ) ( ).
6. الإمام: علي بن محمَّد بن سالم التغلبي سيف الدين الآمدي أبو الحسن (ت631هـ) ( ).
7. الإمام: ابن الخشوعي زكي الدين إبراهيم بن أبي طاهر بركات بن إبراهيم بن طاهر الخشوعي الدمشقي أبو إسحاق (ت640هـ) ( ).
8. الإمام: علي بن محمَّد بن عبد الصمد بن عبد الأحد بن عبد الغالب بن عطاس الإمام علم الدين السخاوي أبو الحسن الهمداني المقرئ المفسر النحوي اللغوي الشافعي شيخ الإقراء بدمشق (ت643هـ) ( ).
9. الإمام: عثمان بن عبد الرحمن بن عثمان بن موسى الكردي: الشهرزوري، الموصلي، الشرخاني الشافعي، المعروف بابن الصلاح (ت643هـ) ( ).
10. الإمام: أحمد بن كَشَاسب بن علي بن أحمد الإمام كمال الدين أبو العباس الدِزْمَارِيِّ الفقيه الشافعي (ت643هـ) ( ).
11. الإمام: عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم بن الحسن السلمي الدمشقي، عز الدين الملقب بسلطان العلماء: فقيه شافعي بلغ رتبة الاجتهاد (ت660هـ) ( ).
12. الإمام: محمد بن أحمد بن عمر بن أحمد ابن أبي شاكر الإربلي، مجد الدين، ابن الظهير: شاعر، أديب، من فقهاء الحنفية (ت677هـ) ( ).
13. الإمام: أحمد بن عبد الله العطار، وقيل: السلمي (ت؟؟؟هـ).
تلامذته
بعد أن تبوَّأَ أبو شامة مكانة علميَّة مرموقة في بلدته وقومه وذاع صيته في الآفاق غدا محطَّ الأنظار لمن يطلب العلوم الشرعية، فقد حضر الطلاب مجالسه العلمية من كل حدب وصوب؛ بل من كل فجٍّ عميق، ينهلون من كاسات العلم العذب الصافي، ولكن كل ما وقفت عليه منهم قليل، وترتيبهم كما يلي:
1. الشيخ: شرف الدين هبة الله ابن عبد الرحيم بن إبراهيم بن هبة الله بن المسلم البارزي الحموي الشافعي بمدينة حماة (ت683هـ) ( ).
2. الشيخ: إبراهيم بن أحمد بن إبراهيم بن فلاح بن محمد بن حاتم بن شداد ابن مقلد بن غنايم أبو إسحاق الأسكندري (ت694هـ) ( ).
3. ولده الشيخ: أحمد بن عبد الرحمن المقدسي بن إسماعيل بن إبراهيم بن عثمان بن أبي بكر المقدسي أبو الهدى ابن أبي شامة (ت697هـ) ( ).
4. الشيخ: أحمد بن إبراهيم بن سباع بن ضياء الإمام شرف الدين أبو العباس الفزاري البدري المقرئ النحوي الشافعي خطيب جامع دمشق (ت705هـ) ( ).
5. الشيخ: أحمد بن مؤمن بن أبي نصر أبو العباس الأسعردي نزيل دمشق المعروف باللبان مقري حاذق مجود (ت706هـ) ( ).
6. الشيخ: محمد بن علي بن عبد الجبار الدمشقي الياسري الشافعي (ت708هـ) ( ).
7. الشيخ: الحسين بن سليمان بن فزارة بن بدر بن محمد بن يوسف الإمام أبو عبد الله الكفري الدمشقي الحنفي القاضي (ت719هـ) ( ).
8. الشيخ: أبو بكر بن سيف بن أبي بكر الزين بن الحريري المزي الشافعي إمام كامل (ت726هـ) ( ).
9. الشيخ: عبد الله بن إبراهيم بن عبد الله بن أبي عمر شرف الدين ابن العز المقدسي الحنبلي (ت731هـ) ( ).
نبذة من شعره
من شعره لأهل مصر حين قطن الشاطبي بلادهم( ):
رأيت جماعة فضلاء فازوا
برؤية شيخ مصر الشاطبي

وكلهم يعظمه ويثني
كتعظيم الصحابة للنبي

ومن شعره:
الثوب واللقمة والعافية
لقانع من عيشه كافيه

وما يزد فالنفس ليست به
وإن تكن مملكة راضيه

وله أيضاً:
أنا في عز القناعة
رافل في كل ساعة

رب أتممها بخير
في معافاة وطاعة

وله أيضاً:
أردت راحة سري
مما يضيق صدري

لما ألاقي من الخلـ
ـق من جفاء وغدرِ

وحسد واغتياب
فيا ضياعاً لعمري

فاخترت أن أتنحَّى
وأستقل بأمري

فلست أمشي إلى من
يرى خطيراً لقدري

لأجل دنيا فمشي إليـ
ـه بالعلم يزري

لكن إلى عالم أو شيـ
ـخ نبيه الذكر

في الدين يقصد للعلـ
ـم والتقى لا الفخر

فما إذا أحوجتني
ضرورة من فقر

فلا يكون فربي
يمن فيها بصبر

يا رب فاشرح صدري
للخير واشدد أزري

ولا تكلني إلى الخلـ
ـق أنت حسبي وذخري

هب لي مدى الدهر سـ
ـتراً حتى أوسد قبري

واختم بخير وأعظم
من جنة الخلد أجري

وله أيضاً:
نزهت نفسي وعرضي
وصنت هذي البقيه

لما انعزلت بيتي
قولاً وفعلاً ونيه

وبقيت علقتني بالـ
ـمدارس الفقيه

وسوف أخلص منها
حقًّا ورب البرية

إني عبد ضعيف
أخلف نعت المنية

ولست أرضى لنفسي
دوام هذي البلية

إلى الملمات فربي
له هبات عليه

وكان معرفة الله
النعمة الأخروية

أتى لها بانشراح
راضية مرضية

وقال فيما ينبغي أن يكون عليه المصلِّي:
ألق سمعاً واحضر بقلب وعقل
بالمصلي ورتل القرآنا

وتدبر آياته وتفكر
واجمع الهمم مقبلاً يقظانا

أي: مقبلاً عليه متيقظاً.
وقال أيضاً:
بدمشق سقى الإله رباها
وحماها ذكرى أولي الألباب

وعجيب أشجارها حين تبدو
مزهرات تشيب قبل الشباب

وله أيضاً أبيات في حصر السبعة الذين يظلهم الله في ظلِّه يوم لا ظلَّ إلا ظله على ما صحَّ في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، إمام عادل، وشاب نشأ بعبادة الله، ورجلان تحابا في الله فاجتمعا على ذلك وتفرَّقا، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه، ورجل دعته امرأة ذات حسب وجمال فقال إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما أنفق يمينه "( )، فقال في حصرهم:
إمام محب ناشئ متصدق
وباكٍ مصلٍّ خائف سطوة الباس

يظلهم الله الجليل بظله
إذا كان يوم العرض لا ظل للناس

أشرت بألفاظ تدل عليهم
فيذكرهم بالنظم من بعضهم ناس

أي: من ناس بعضهم.
وله في هذا المعنى:
وقال النبي المصطفى إن سبعة
يظلهم الله العظيم بظله

محب عفيف ناشئ متصدق
وباكٍ مصلٍّ والإمام بعدله

وله أيضاً:
لا تقم في مدينة ليس فيها
خمسة إن أردت دار قرار

قهر ملك وعدل قاض
وطب حاذق مع سوق ونهر جار

وله أيضاً:
قول ابن أدهم قول الناصحين لنا
العجب والحرص ثم السخط فاجتنبوا

ثلاثة حجبت عن اليقين قلو
بنا فلا بدَّ من أن ترفع الحجب

نسر بالمدح والموجود يفرحنا
وللقلب سخطاً من المفقود يضطرب

وله في حصر (السبع الموبقات) الواردة في الحديث الصحيح:
أكل مال اليتيم والشرك والسحـ
ـر وأكل الربا وقذف المبرا

والتوالي يوم زحف وقتل نفس
سبع قد أوبقت من تجرا

وله أيضاً:
فلا تحفل بمن يغتاب شخصاً
ويحسده فيذكر من هناته

فمن حسناته تهدى إليه
فإن نفدت تحمل سيئاته( )

ومن أشعاره ما ذكره السيوطي (ت911هـ) في (حسن المحاضرة) حين احترق المسجد النبوي وحين هجم التتار على مقرِّ الخلافة في بغداد قال( ): " وفي هذه السنة – أي سنة أربع وخمسين وستمائة - في يوم الاثنين مستهل جمادى الآخرة، وقع بالمدينة الشريفة صوت يشبه صوت الرعد البعيد تارة وتارة، وأقام على هذه الحالة يومين، فلمَّا كان ليلة الأربعاء تعقَّب الصوت زلزلة عظيمة، رجفت منها الأرض والحيطان، واضطرب المنبر الشريف، واستمرَّت تزلزل ساعة بعد ساعة إلى يوم الجمعة خامس الشهر، ظهر من الحرة نار عظيمة، وسالت أودية منها سيل الماء، وسالت الجبال ناراً، وسارت نحو طريق الحاج العراقي، فوقفت وأخذت تأكل الأرض أكلاً، ولها كل يوم صوت عظيم من آخر الليل إلى الضحوة، واستغاث الناس بنبيِّهم صلى الله عليه وسلم( )، واقلعوا عن المعاصي، واستمرَّت النار فوق الشهر، وخسف القمر ليلة الاثنين منتصف الشهر، وكسفت الشمس في غدوة، وبقيت أياماً متغيِّرة اللون ضعيفة النور، واشتدَّ فزع الناس، وصعد علماء البلد إلى الأمير يعظونه، فطرح المكوس، وردَّ على الناس ما كان تحت يده من أموالهم. وقال الإمام أبو شامة - رحمه الله - في ذلك شعراً:
غلب التتار على البلاد فجاءهم
من مصر تركي يجود بنفسه

بالشام أهلكهم وبدد شملهم
ولكل شيء آفة من جنسه

قال أبو شامة: وفي ليلة الجمعة مستهل رمضان من هذه السنة احترق المسجد الشريف النبوي، ابتدأ حريقه من زاويته الغربية من الشمال، وكان دخل أحد القومة إلى خزانة ثَمَّ، ومعه نار فعلقت في الآلات، واتصلت بالسقف بسرعة، ثم دبَّت في السقوف، فأعجلت النار في قطعها، فما كان إلا ساعة حتى احترقت سقوف المسجد أجمع، ووقعت بعض أساطينه، وذاب رصاصها، وكل ذلك قبل أن ينام الناس، واحترق سقف الحجرة النبوية الشريفة، واحترق المنبر الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب عليه.
قال أبو شامة: وَعُدَّ ما وقع من تلك النار، وحريق المسجد من الآيات، وكأنها كانت منذرة بما يعقبها في السنة الآتية من الكائنات. وقال أبو شامة في ذلك( ):
نار أرض الحجاز مع حرق
المسجد مع تغرق دار السلام

بعد ست من المائتين وخمسيـ
ـن لدى أربع جرى في العام

ثم أخذ التتار بغداد في أو
ل عام من بعد ذاك وعام

لم يعن أهلها وللكفر أعوا
ن عليهم يا ضيعة الإسلام!

وانقضت دولة الخلافة منها
صار مستعصم بغير اعتصام

فحناناً على الحجاز ومصر
وسلاماً على بلاد الشام

ومن الفوائد المنظومة التي سردها في كتابه (نور المسرَى في تفسير آية الإسراء) قوله: افتتح الله سبحانه سوَر كتابه العزيز بعشرة أنواع من الكلام:
الأوَّل: الثناء في أربع عشرة سورة، إما بالإشارة إلى إثبات صفات الكمال في سورٍ سبعٍ (الْحَمْدُ لِلَّهِ) في خمس سور، و(تبارَكَ) في سورتين، وإما بالإشارة إلى نفي صفاتِ النقصِ في سبع أخرى (سُبحَان)، (سَبَحَ)، (يسَبِحُ)، (سَبِحْ).
الثاني: حروف الهجاء في تسع وعشرين سورة.
الثالث: النداء في عشر سور.
الرابع: الجمل الخبرية نحو: (بَرَاءَةٌ)(التوبة:1)، (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ)(النحل:1) في ثلاث وعشرين.
الخامس: القسَم في خمس عشرة.
السادس: الشَّرطُ بإذَا في سبعٍ.
السابع: الأمرُ بقل واقرأ في ست.
الثامن: الاستفهام ب ما في (عَمَّ)(النبأ:1) وهل والهمزة في ستٍّ.
التاسع: الدعاء بـ: (وَيْلٌ)(الجاثـية:7)، و(تَبَتْ) في ثلاث.
العاشر: التعليل في سورة واحدة، وهي (لِإِيلافِ قُرَيْشٍ)(قريش:1)، ثم نظم أبو شامة هذه الأنواع في بيتين وهما( ):
أثنى على نفسه سبحانه بثُبوتِ
المدحِ والسَّلب لما استَفتَح السُّوَرَا

والأمر شَرط الندا التّعليل أقسَم والدُّعاء
حرف الهجا استفهم الخبَرا

وكتب في تاريخه المحنة التي وقعت له، وذكر تفويضَ أمرِه إلى الله تعالى وعدم مؤاخذة من فعل ذلك، وأنشد لنفسه يقول:
قل لمن قال أما تشتكي
ما قد جرى فهو عظيم جليل

يقيضُ الله تعالى لنا
من يأخذ الحق ويشفي الغليل

إذا توكلنا عليه كفى
فحسبنا الله ونعم الوكيل

ومن شعره في السبعة الذين يظلهم الله بظله:
وقال النبي المصطفى إن سبعة
يظلهم الله العظيم بظلِّهِ

مُحبُّ عِفِيفٌ ناشىء مُتصدق
وباك مُصل والإمامُ بعدلهِ

ومن شعره أيضاً:
أربعة عن أحمدٍ شاعت ولا
أصل لها من الحديث الواصلِ

خروج اذارَ ويومُ صومكم
ثم أذى الذِّمِّى ورد السائلِ

مُراده بحديث (رد السائل) حديثُ: " ردوا السائل ولو جاء على فرس "( )، لا حديث: " رُدُّوا السَّائِلَ وَلَوْ بِظِلْفٍ مُحْرَقٍ "( )، فإنه روى بإسناد جيد.
مؤلفاته
لقد ترك أبو شامة خلفه مكتبة ضخمة في شتى فروع الثقافة الإسلامية، وإن كان أغلبها في علوم القرآن والعربية، ولم تكن تآليفه في اللُّغة مقصودة لذاتها، وإنما كانت لخدمة القرآن وعلومه، فهي إذن وسيلة لفهم القرآن ودراسته، ومِنْ ثَمَّ لم تكن دراسة اللُّغة والتأليف فيها عند أبي شامة هدفاً قائماً بذاته، كما أصبحت عند غيره من اللُّغويين حيث شغلهم عن أمة القرآن؛ بل أصبح القرآن عند هؤلاء شواهد للُّغة يوضح قواعدها ويبيِّن صحيحها، بحيث تصبح الوسائل غايات والغايات وسائل.
وعلى هذا نستطيع أن نعتبر أبا شامة متخصصاً في علوم القرآن - بكل ما في الكلمة من معنى - ولم تكن مشاركته الأولى في فنون الثقافة الأخرى صارفة له عند هدفه الذي كان قد وضعه أمامه؛ بل إن تلك المشاركة قد وسَّعت آفاقه، وجعلته أقدر على معالجة ما تصدَّى له من موضوعات. ولا يعرف بين الذين انصرفوا لعلوم القرآن، مثله في عمقه ورسوخه في كثرة تآليفه وشمولها، والتفنن في تقسيمها وتجزئتها.
قال عن مصنفاته ابن كثير (ت774هـ): " وصاحب المصنَّفات العديدة المفيدة، له اختصار تاريخ دمشق في مجلدات كثيرة، وله شرح الشاطبية ... "( ).
ولله الحمد ذكرت لنا أغلب المصادر التي ترجمت له عدَّة مصنَّفات سوف أقوم سردها على النحو التالي:
1. كتاب: (أزهار الروضتين في أخبار الدولتين دولة نور الدين وصلاح الدين من الأكراد) ( ).
2. كتاب: (الباعث على إنكار البدع والحوادث)( ).
3. كتاب: (مختصر تاريخ بغداد ابن عساكر) خمس مجلدات( ).
4. كتاب: (إبراز المعاني من حرز الأماني)( ).
5. كتاب: (الروض الآنق في الذيل على أزهار الروضتين)( ).
6. كتاب: (اللمع في صلاة الرغائب)( ).
7. كتاب: (ضوء القمر الساري إلى معرفة رؤية الباري)( ).
8. كتاب: (شرح القصائد السبع في المدائح النبوية للسخاوي)( ).
9. كتاب: (شرح الكواكب الدرية في مدح خير البرية)( ).
10. كتاب: (البسملة الأصغر) ( ).
11. كتاب: (البسملة الأكبر) ( ).
12. كتاب: (كشف ما كان عليه بنو عبيد من الكفر والكذب والكيد)( ).
13. كتاب: (المحقق من علم الأصول فيما يتعلق بأفعال الرسول)( ).
14. كتاب: (مفردات القراءة)( ).
15. كتاب: (نظم المفصل للزمخشري)( ).
16. كتاب: (شرح حديث المقتفى في مبعث النبي المصطفى)( ).
17. كتاب: (مقدمة في علم النحو)( ).
18. كتاب: (نور المسرى في تفسير آية الإسرا)( ).
19. كتاب: (تراجم رجال القرنين السادس والسابع)، ويسمَّى (ذيل الروضتين) ( ).
20. كتاب: (المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز)( ).
21. كتابان في: (تاريخ دمشق) أحدهما كبير في خمسة عشر جزءاً بخطِّه، والثاني في خمسة أجزاء. والثاني في خمسة أجزاء( ).
22. كتاب: (الوصول في الأصول)( ).
23. كتاب: (نزهة المقلتين في أخبار الدولتين: دولة علاء الدين السلجوقي، ودولة ابنه جلال الدين خوارزمشاه)( ).
24. كتاب: (السواك)( ).
25. كتاب: (شيوخ الحافظ البيهقي)( ).
26. كتاب: (شرح العقيلة الرائية) في علم الرسم( ).
27. كتاب: (المرقوم في جملة من العلوم) ( ).
28. كتاب: (الواضح الجلي في الرد على الحنبلي) ( ).
29. كتاب: (إقامة الدليل الناسخ لجزء الفاسخ) ( ).
30. كتاب: (الألفاظ المعربة) ( ).
31. كتاب: (شرح عروس السمر في منازل القمر نونية للسخاوي) ( ).
32. كتاب: (جامع أخبار مكة والمدينة وبيت المقدس) ( ).
33. كتاب: (تقييد الأسماء المشكلة) ( ).
34. كتاب: (رفع النزاع بالرد إلى الاتباع) ( ).
35. كتاب: (المذهب في علم المذهب) ( ).
36. كتاب: (شرح لباب التهذيب في الفقه الشافعي) ( ).
37. كتاب: (ذكر من ركب الحمار) ( ).
38. كتاب: (مشكلات الآيات) ( ).
39. كتاب: (مشكلات الأخبار) ( ).
40. كتاب: (كتاب القيامة) ( ).
41. كتاب: (شرح أحاديث الوسيط) ( ).
42. كتاب: (القصيدة الدامغة) ( ).
43. كتاب بعنوان: (قصيدتان في منازل طريق الحج) ( ).
44. نظم: (أرجوزة حسنة في العَروض والقوافي)( ).
45. نظم: (شيء من متشابه القرآن) ( ).
46. نظم: (الأرجوزة في الفقه) ( ).
ثم قال أبو شامة عن نفسه ومصنفاته في (ذيل الروضتين): " وجمع وألَّف وهذَّب وصنَّف في فنون العلوم النافعة كتباً كثيرة ومصنَّفات جليلة مختصرة ومطولة، أكثرها وسمعها ووقفها وكثرت النسخ بها ... وتعاليق كثيرة في فنون مختلفة من غير ترتيب على طريقة التذكرة لأبي علي الفارسي، وأمالي ثعلب، وأمالي الزجاجي، ونحو كتاب المجالعة واختصار جملة من الدواوين.
وقد نظم أحد الفضلاء بعض هذه المصنفات في أبيات كتبها له فقال:
هذا الشهاب الثاقب الفهم الذي
قد فاق في بحر العلوم وسطه

أكرم بتحقيق وإتقان وتصـ
ـنيف له وبراعة في ضبطه

وغنائه من ربه فسيما يحاو
له به فأحله في وسطه

فكلامه في الفقه يشبه ما تقد
م من كلام الشافعي وسطه

يبني على نص الكتاب وسنة
للمصطفى في رفعه أو حطه

ومذاهب العلماء يلحظها فيفتـ
ـي بالمرجح عنده من قطه

ويفسر القرآن والأخبار عن
حذق بمفهوم الكلام وربطه

وبنص أسماء الورى وحديثهم
ووفاتهم فكأنهم من رهطه

شرح الصدور بشرحه لقصائد
نبوية في قبضه أو بسطه

والشاطبية جولوا أفكاركم
في شرحها إن كنتم من شرطه

وله كتاب الروضتين وهذَّب التـ
ـاريخ مختصراً له من شحطه

وكتابه المرقوم فيه مصنفا
ت في علوم حازها في مرطه

منها المحقق والسواك وباعث
مع مبعث أحسن به وبقمطه

والضوء والإسرا وبسملة ومر
شدها الذي أحيا بحسن محطه

ولنظمه في النحو والأوزان والـ
أحكام لم يك ما مضى من سمطه

وقد ابتدا كتباً فإن أبقاه من
قواه أكملها بجودة سفطه

رفع النزاع ومشكل الـ
آيات والأخبار مما شده في قمطه

أرجو له عفو الإله فإنه
ما زال يطلب عفوه في خطه( )

سنة وفاته
قال ابن كثير (ت774هـ) عن سبب قتله: كانت وفاته بسبب محنة ألَّبُوا عليه، وأرسلوا إليه من اغتاله وهو بمنزل له بطواحين الأشنان، وقد كان اتُّهِمَ برأي، الظاهر براءته منه، وقد قال جماعة من أهل الحديث وغيرهم: إنه كان مظلوماً، ولم يزل يكتب في التاريخ حتى وصل إلى رجب من هذه السنة، فذكر أنه أصيب بمحنة في منزله بطواحين الأشنان، وكان الذين قتلوه جاءوه قبل فضربوه ليموت فلم يمت، فقيل له: ألا تشتكي عليهم، فلم يفعل وأنشأ يقول:
قلت لمن قال: ألا تشتكي
ما قد جرى فهو عظيم جليل

يقيض الله تعالى لنا
من يأخذ الحق ويشفي الغليل

إذا توكلنا عليه كفى
فحسبنا الله ونعم الوكيل

ثم عادوا إليه مرَّة ثانية وهو في المنزل المذكور فقتلوه بالكلية في ليلة الثلاثاء تاسع عشر رمضان سنة خمس وستين وستمائة - رحمه الله - ودفن من يومه بمقابر دار الفراديس( ). رحمه الله رحمة واسعة، وجزاه الله خير الجزاء عما قدَّم لخدمة الكتاب والسُّنَّة المطهر، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://farghly.forumegypt.net
أ فرغلي عرباوي
Admin
avatar

المساهمات : 88
تاريخ التسجيل : 18/07/2011
العمر : 45

مُساهمةموضوع: 1   الأربعاء يوليو 27, 2011 11:45 pm

ترجمة الإمام أبي شامة الدمشقي.rar
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://farghly.forumegypt.net
 
ترجمة الإمام أبي شامة الدمشقي (ت665هـ) بقلم فرغلي عرباوي
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
مكتبة الشيخ فرغلي سيد عرباوي للقراءات والتجويد - والنشر والتوزيع- 9درب الأتراك خلف الجامع الأزهر :: قسم القراءات :: منتدى تراجم علماء القراءات-
انتقل الى: